عبد الملك الجويني
277
نهاية المطلب في دراية المذهب
والمشهود له غائب ، فقد نص الشافعي على أنه لا يقطع في الحال ، ونص على أنه لو شهد شاهدان على واحد بأنه زنى بجارية فلان ( 1 أنه يجب الحد 1 ) ، فاختلف أصحابنا في المسألتين : فمنهم من نقل وخرّج ، وأجرى قولين في المسألتين ؛ من حيث إن السبب ارتبط فيهما بملك لم يدّعه من نسبت البينةُ الملكَ ( 2 ) إليه ، ويجوز فرض الجارية ملكاً للواطىء ، كما يجوز فرض المسروق ملكاً للسارق . ومن أصحابنا من أجرى المسألتين على ظاهرهما ، وفرق بأن المسروق منه [ ربما يقول لو حضر : كُنت أبحت له ذلك ] ( 3 ) ( 4 ولو قرر هذا ، لسقط الحد 4 ) ، ولو قرر مثل ذلك في الجارية ، ووطْئها ، لم يسقط الحدُّ ، فانتظار حضور الغائب في السرقة لتوقع شبهة دارئة لا يتأتى مثلها في الجارية ووطئها . ومما ينتظم وراء ما ذكرناه أن من وطئ جارية ، ثم زعم أنها ملكُه ، أو وطئ حرة ، ثم زعم أنها زوجته ، فقد ذكرنا أن مضمون النص في ذلك سقوط القطع في السرقة ، وهذا في حد الزنا متردد : ظاهر المذهب والنص أن الدعوى العرية لا تُسقط حد الزنا بخلاف السرقة ، فإن القطع في السرقة يكاد يتبع حقَّ الآدمي ، فترتبط الدعوى به ، بخلاف حد الزنا ، ولذلك لا يسقط حد الزنا بالإباحة ، وينشأ هذا الاختلاف من تردد الأصحاب في النصين المذكورين في البيّنة المقامة وصاحب الملك غائب . ثم إذا جرينا على النص ، وقلنا : لا يقطع السارق ما لم يحضر المسروق منه ، فقد قال الأصحاب : يحبس السارق إلى أن يحضر المسروق منه ، وهذا مشكل ؛ فإن البينة قامت على مالٍ قَبْل دعواه ، وحق البينة إذا قامت قبل الدعوى أن ترد في حقوق الآدميين ، وهذا الآن يوضحه ترتيب فنقول : ما تمحض حقاً لله تعالى ، فشهادة الحسبة فيه مقبولة ، وما تمحض حقاً للآدمي ، فالمذهب أن شهادة الحسبة فيه مردودة ، وفيه قول حكيناه وأجريناه في باب الشهادة على الجناية ، ووعدنا استقصاءه
--> ( 1 ) ما بين القوسين ساقط من ( ت 4 ) . ( 2 ) ت 4 : " بينةُ الملكِ " . ( 3 ) عبارة الأصل : " إنما يعول : لو حضرت ، أبحت له ذلك " والمثبت من ( ت 4 ) . ( 4 ) ما بين القوسين سقط من ( ت 4 ) .